الشيخ محمد رشيد رضا
447
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
إلى أهل الأرض فقد سوى أجرامها من مادتها الدخانية في يومين اي زمنين كالزمنين اللذين خلق فيهما جرم الأرض ، وسيأتي الكلام في هذه السماوات في موضعه هذا التفصيل الذي يؤخذ من مجموع الآيات يتفق مع المختار عند علماء الكون في هذا العصر من أن المادة التي خلقت منها هذه الاجرام السماوية وهذه الأرض كانت كالدخان ، ويسمونها السديم ، وكانت مادة واحدة رتقا ثم انفصل بعضها من بعض ، ويصورون ذلك تصويرا مستنبطا مما عرفوا من سنن الخلق إذا صح كان بيانا لما أجمل في الآيات ، وإذا لم يصح كله أو بعضه لم يكن ناقضا لشيء منها . فهم يقولون إن تلك المادة السديمية كانت مؤلفة من أجزاء دقيقة متحركة ، وأنها قد تجمع بعضها وانجذب إلى بعض بمقتضى سنة الجاذبية العامة ، فكان منها كرة عظيمة تدور على محور نفسها ، وان شدة الحركة أحدثت فيها اشتعالا فكانت ضياء - أي نورا ذا حرارة ، وهذه الكرة الأولى من عالمنا هي التي نسميها الشمس ويقولون أيضا ان الكواكب الدراري التابعة لهذه الشمس فيما نشاهد من نظام عالمنا هذا قد انفتقت من رتقها ، وانفصلت من جرمها ، وصارت تدور على محاورها مثلها . ومنها أرضنا هذه فقد كانت مشتعلة مثلها . ثم انتقلت من طور الغازات المشتعلة إلى طور المائية في زمن طويل بنظام مقدر بكثرة ما فيها من العنصرين الذين يتكون منهما بخار الماء ، فكانا يرتفعان منها في الجو فيبردان فيكونان بخارا فماء ينجذب إليها ثم يتبخر منها حتى غلب عليها طور المائية . ثم تكونت اليابسة في هذا الماء بتجمع موادها طبقة بعد طبقة ، وتولدت فيها المعادن والاحياء الحيوانية والنباتية بسبب حركة أجزاء المادة وتجمع بعضها على بعض بنسب ومقادير مخصوصة . وقد ظهر بالبحث والحفر أن بعض طبقات الأرض خالية من آثار الحيوان والنبات جميعا فعلم أن تكونها كان قبل وجودهما فيها فهذه الأقوال وما فصلوها به مما رأوه أب النظريات إلى سنن الكون وصفة عناصره البسيطة وحركتها ، وتكون المعادن منها ، والمادة الزلالية ذات القوى التي بها كانت أصل العوالم الحية كالتغذي والانقسام والتولد وهي التي يسمونها ( برتوبلاسما ) وصفة تكون الخلايا التي تركبت منها الأجسام العضوية - كل ذلك تفصيل لخلق العوالم أطوارا بسنن ثابتة وتقدير منظم لم يكن منه